عبد الله الأنصاري الهروي

299

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

ذلك ، ومن هذا المعنى قول النّاس : شخص فلان للسّفر ، أي برز للسّفر ، وليس معنى قوله : شاخص هنا ، هو من معنى قولهم : شخص بصره ، إلّا أن يعنوا به ظهر ما تحت جفونه ، فهو أيضا يعود إلى ما ذكرناه ، وأمّا قوله : عن الأنس الأوّل ، فإنّه يعني عن الأنس المذكور في الدّرجة الأولى ، أي هذا الأنس المخصوص بهذه الدّرجة الثانية ، هو بارز عن الأنس المخصوص بالدّرجة الأولى ، ولا يجوز أن يعني بالأنس الأوّل الأنس الرّاجع إلى الأزل بمعنى السّابقة ، فإنّ ذلك لا يليق بالدّرجة الثانية ، وإن تحقّق معناه فإنّما يرجع إلى معاني الدّرجة الثالثة ، فهذا معنى قوله : وهو أنس شاخص عن الأنس الأوّل . قوله : يشوبه صولة الهيمان ، يعني أنّ هذا الأنس المذكور يكون مبدؤه كشف عن معنى الجمال ، الذي يوجب البسط الغالب ، ثمّ يقوى إلى أن يستغرق عقل المشاهد فيمتزج بالهيمان ، وجعل للهيمان صولة ، وهي القهر ، لأنّه يقهر العقل ، ومعنى الهيمان هو الحيرة والحركة إلى كلّ جهة من غير عقل ولا تمييز ، قال اللّه تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ « 2 » ، أي في كلّ ناحية . وهذا مثل لمن عقله متحيّز ، ومعنى قوله : يشوبه أي يمازجه . قوله : ويضربه موج الفناء ، يعني أنّ هذا الأنس الذي يمازجه الهيمان ، يضربه أيضا موج الفناء ، وهذا مثل واستعارة ، والمراد أنّ صاحب هذا الأنس يطالع مبادئ الفناء محيطة به ، فهي تقلّبه كما يقلّب الموج الغريق ، وذلك قبل استيلاء سلطان الفناء على وجوده . قوله : وهو الذي غلب قوما على عقولهم ، / أي غلبهم فلم يقدروا أن يمنعوه من سلب عقولهم ، تقول : غلبت فلانا على ثوبه ، أي سلبت

--> ( 2 ) الآية 225 سورة الشعراء .